Wednesday, November 4, 2015

فـ كّـ ـر .. كـ فّـ ـر


في عام 2002 أو ما قبله بقليل صدرت عدة كتب مجهولة النسب تتحدث عن يوم القيامة وحروب آخر الزمان، أذكر منها كتابين هما " هرمجدون " ، و " عمر أمة الإسلام وظهور المهدي عليه السلام ". الكتابان كانا كارثتين بالمعنى الحرفي للكلمة، مغالطات واحاديث موضوعة وغيرها.

أذكر أن أحد زملائي في الفصل أعطاني الكتابين لأقرأهما، تحمست للقراءة وعدت للبيت فرِحًا لأعرض الكتابين على جدّي ( الشيخ أحمد عويضه )  رحمه الله - وهو عالمٌ أزهري درس الشريعة والفقه المقارن -، تلقّى جدّي الكتابين بنظرات الشك والريبة وهو يقلبهما بين يديه بحثًا عن الناشر أو سيرة الكاتب، ثم طلب مني أن أعطيهما له ليقرأهما، وعندما قلت له  أريد أن أقرأ أولا، قال لي أنه أسرع مني في القراءة ولن يستهلك الكثير من الوقت.

أنهى جدّي قراءة الكتابين وأعطاهما لي دون أن يقول شيئًا سوى " اقراهما بتركيز شديد، وبعد أن تنتهي تعال لنتناقش فيهما "- كنا قد اعتدنا جدّي وأنا ان نتناقش في الكتب التي يرشحها لي كالعبقريات ومسرحيات الحكيم وروايات محمود تيمور والسباعي وغيرها - .

قرأت الكتابين وأصابتني حالة من الامتعاض مما أرى فيهما من مغالطات واستنادٍ إلى أدلة واهية مثل " وقال عرّاف يهودي كذا " أو حديث موضوع لم يتقن واضعه اللغة فكان سهلًا على مراهقٍ مثلي وقتها أن يعرف أنه موضوع لأن به جملة من الاخطاء اللغوية ".

أنهيت القراءة ونزلت إلى جّدي للمناقشة، أخبرته عن رأيي فلمحت نظرة السرور في عينيه وبدأ يناقشني في كل تفاصيل الكتاب ويحدثني عن فكرة المهدي المنتظر - والتي لم يقتنع بها جدّي أبدًا وكما قال لي لم يجد دليلًا يقنعه بها -  ومعركة آخر الزمان وعن دسّ السم في العسل ، وبعدها بأيام في خطبة الجمعة تحدث جدي عن الكتابين،  لم يقل للناس لا تقرأوا، بل حدثهم عن الأفكار التي وردت فيه والآراء التي قيلت عنها.

لم يقل جدّي وقتها لِم لَم يُصادر الأزهر هذه الكتب ؟، ولم يحاول أن يبلغ المنطقة الأزهرية بقنا عنها - ربما ليأسه من الأزهر وشيوخه الحاليين - ولم يحاول أن يمنعني من قراءة الكتب بعد أن قرأها وعرف حجم المغالطات التي تحتويها.

كان يربي فيّ الفكر والعقل، ورد على الكتب في خطبة الجمعة ليعلم الناس أن يفكروا ولا يثقوا في كل ما خُطّ على الورق.

 

في عام 2003 أصدر د. مصطفى محمود كتابًا يسمى : لا رجم للزانية، وهو عبارة عن بحث مكون من (193)  صفحة يثبت فيه بالأدلة من القرآن والسنة، أن حدّ الزنا في الإسلام هو الجَلد فقط وأن حدّ الرجم لا أساس له في القرآن بل هو كان اجتهادٌ من النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول سورة النور، واجتهاده كان مبني على حدّ الزنا في التوراة.

صادر الازهر الكتاب ومنع نشره بأي وسيلة كانت، طبعًا دون مبرر سوى التحكم في عقول خلق الله وحثهم على الجمود، ولم يستحوا من أنفسهم ورسالتهم التي من المفترض انها البحث والدراسة واكتفوا بأن يتبعوا كلام الاولين فقط  متخذين جملة " هذا ما وجدنا عليه آباؤنا الأولون " كعقيدة، وليس هذا فقط بل حاربوا كل صاحب فكرٍ يقول عكس ما قاله آباؤهم الأولون.

د. مصطفى محمود اجتهد وبحث وتوصل إلى نتيجة ما، لو لم تعجبكم او تقتنعوا بها فليبحث باحثوكم وينشروا كتبًا للرد عليه وتفنيد آراءه، أو مناظرته، واتركوا الحكم للقارئ أو المشاهد، كما فعل د. محمد عمارة عندما ألف كتاب " التفسير الماركسي للإسلام " للرد على كتاب د. نصر حامد أبو زيد " مفهوم النصّ "، لا أن تستغلوا سلطتكم لتمنعوا نشره، معتبرين أن خلق الله قُصّر لا يعون وانتم أوصياء وضعكم الله عليهم !

إن كنتم بالفعل تحبون ان يُقبل الناس على الدين ويعرفوه أكثر فعليكم أن تخرجوا من عباءة القدامى ولتبحثوا ولتقبلوا الجديد، كفاكم جمودًا فقد أصبحتم كالأصنام، الدين يخاطب العقل والقلب، ولن تجد عقلًا الآن يُقبِل على قراءة ابن كثير وجيله من مفكرين وباحثين - جزاهم الله خيرًا عن الدين - عاشوا قبل ألف سنة ! واستلهِموا أرواحهم في التجديد والبحث والفكر الحر.

لا تُعيدوا ولادة القرون الوسطى، وقتما كانت الكنيسة تحارب الفكر في أوروبا وتتهم كل من يفكر بالهرطقة والزندقة كما فعلوا مع جاليليو وغيره ممن اتُهِم بالسحر والزندقة وأُحرق حيّا، أو كما فعل المسيحيون في مصر مع هيباتيا، وقبلها عندما اعدم الإغريق سقراط لأنه يفكر ويحفز الناس على التفكير،  لأن عواقبه ستكون وخيمة عليكم وعلينا. كفانا غباءً وتكفيرًا فقد رحمنا الله حتى هذه اللحظة على الرغم من كل ما فعلتم وفعل أسلافكم من تكفير كل من فكر. و تطابق حروف كلمة فكر وكلمة كفر ليس مصادفة إطلاقًا، كفرتم ابن سينا وابن رشد والفارابي ومن بعدهم الكثير حتى وصلتم لـ د. مصطفى محمود والشيخ حسن المالكي الذي تجرأ وقال أن للإسلام أركان أخرى غير الخمس المتداولة !، وهذا غير تكفير الادباء والفنانين وغيرهم ممن فكروا، رأيتم أن التكفير أسهل عليكم كثيرًا من التفكير والرد على الأبحاث التي يجتهد المفكرون ليخرجوها للناس ظنًا منهم أنها تنفعهم.

اما المتلقي فهو دائمًا الطرف الذي يظن نفسه مظلومًا، ولكنه لا يدرك انه اتكالي لا يريد أن يبحث ويفكر، ويكتفي بأن يسلم عقله ملفوفًا في ورق الجرائد لأي شخص كي يلقيه في أقرب سلة قمامة، ويربط عنقه بعدها ويقوده وراءه فيما يرى، والقائد لا يرى، فهو أيضًا سلم عقله لقائدٍ آخر، وتستمر السلسلة لترى القائد الأكبر الذي هو أيضًا بلا عقل.. تٌرى ما مصير هذه السلسلة سوى السقوط في الهاوية ؟

 

1 comment: